ميرزا محمد حسن الآشتياني

164

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

في مرحلة الواقع ومن حيث هو وكان المحمول وجوب الاحتياط كانت أخبار الاحتياط حاكمة على أخبار البراءة في وجه وواردة عليها في وجه آخر لكن المقدّرات بأسرها ممنوعة وإن أمكن تقديرها لأن فرض المحال ليس بمحال فضلا عن الممكن المخالف لظاهر الدليل وإلى التقدير الأخير ينظر تصديقه في الكتاب بقوله نعم لو كان مستند الاحتياط إلى آخره فافهم وراجع ما ذكرنا في شرح المقام في الموضع الأوّل من الشكّ ( الثاني ) ما أفاده من الملازمة بين حكومة أخبار البراءة على قاعدة الاشتغال وبين دلالتها على عدم حجيّة الأدلّة الظنيّة كأخبار الآحاد وتعارضها معها من حيث عدم حصول العلم منها بالواقع كما لا يحصل من القاعدة بقوله وإلّا لدلّت هذه الأخبار إلى آخره مما لا معنى له عند من له أدنى تأمّل لوجود الفرق البيّن بينهما بما لا يخفى على الأوائل فإن حجيّة الأدلّة الظنيّة ليست من حيث احتمال الضرر والعقاب بل من حيث كشفها عن الواقع ظنّا ولو بحسب النوع والطبع ودليل اعتبارها إنما دلّ عليه من هذه الحيثيّة والجهة وحاصل مفاده عدم الاعتناء باحتمال عدم إصابتها للواقع وخطائها ومعناه رفع اليد عن الأصل الذي أسّس شرعا في موضوع احتمال الواقع والشكّ فيه فهو شارح لدليل اعتبار الأصل ومفسّر له ومبيّن لمقدار مدلوله فهو وإن لم يكن رافعا لموضوع الاحتمال وجدانا وحقيقة إلا أنه رافع له بحكم الشارع وهذا بخلاف القاعدة المبتنية على وجوب دفع الضرر المحتمل فإنّها لا يمكن أن تكون شارحة لما سواها من الأصول الشرعيّة ولو جعل الموضوع فيها عدم العلم بالحكم بالمعنى الأعمّ من الظاهري والواقعي لا خصوص الأخير والعجب كل العجب من اشتباه هذا الفرق البيّن عليه مع ما عليه من مقام العلم هذا مع أن لنا قلب ما أفاده عليه بأنه لو كانت القاعدة حاكمة على أخبار البراءة لوجب الحكم بحكومتها على الأدلّة الظنيّة المطابقة لها في القضايا إذ المفروض على ما زعمه حكومة القاعدة على ما ينفي التكليف في مرحلة الظاهر من غير فرق بين أقسامه إذ المفروض أن مفاد الأدلة الظنيّة أيضا حكم ظاهريّ كمفاد أخبار البراءة فإذا بني على عدم التميز والفرق لزمه ذلك فتأمل ومنه يظهر ما في قوله ولو بني على تخصيصها إلى آخره إذ قد عرفت أن وجه العمل بها في قبال الأصول الشرعيّة بأسرها هو حكومتها عليها مع أن تخصيصها بها مع الغضّ عمّا ذكرنا من الترتّب والتقدّم الذاتي وتسليم كونهما في مرتبة واحدة لا يوجب الحكم بجواز تخصيص أخبار البراءة بالقاعدة المبتنية على احتمال العقاب مع ورود الأخبار عليها كما هو ظاهر ( الثالث ) أن عدوله عن التمسّك بالأخبار المذكورة لنفي الحكم التكليفي إلى التمسّك بها لنفي الحكم الوضعي في ذيل كلامه أشدّ ضعفا أمّا أوّلا فيمنع العموم للأخبار المذكورة لنفي الحكم الغير التكليفي على ما عرفت تفصيل القول فيه في طيّ كلماتنا واعترف به أيضا قدس سره في كلامه الذي نقلناه عنه أخيرا في باب أصل العدم وأمّا ثانيا فبمنع كون الجزئيّة أمرا شرعيّا حتى يتعلّق الحكم بإثباتها ونفيها بل هي كسائر الأحكام الوضعيّة من الأمور الاعتباريّة المنتزعة من الأحكام التكليفيّة على ما عرفت بعض الكلام فيه وستعرف تفصيله في كلماتنا بعد ذلك وقد اعترف به أيضا في كلامه المذكور بل قيل معنى جعل الحكم الوضعي جعل الحكم التكليفي الذي ينتزع عنه كما هو الظاهر من قول شيخنا قدس سره ومنع كون الجزئيّة أمرا مجعوليّا شرعيّا غير الحكم التكليفي فإن المراد مغايرتهما بحسب الجعل بمعنى تعلّق الجعلين بهما وإن كان ظاهر كلام هذا الفاضل في أوّل الكتاب كونه مجعولا مستقلّا في قبال جعل الحكم التكليفي لا أن يرجع جعله إلى جعله فإن مرجعه إلى إنكار جعل الحكم الوضعي فإن أحدا لم ينكر الجعل بالنسبة إلى الحكم التكليفي في مورد الأحكام الوضعيّة وبالجملة جزئيّة الجزء كليّة الكلّ كما اعترف به قدس سره من الاعتباريّات العقليّة لا يجامع الحكم لشمول الرواية لها كما لا يخفى وأما ثالثا فبأنه إذا بني على عدم مساعدة الأخبار لإثبات الأصول المثبتة ولأجله قال إن نفي الوجوب بمقتضى الأخبار لا يثبت الماهيّة ولا يعيّنها في ضمن الأقلّ وكذلك نفي الجزئيّة بمقتضى أخبار الاستصحاب أيضا لا يثبتها لم يعقل الفرق في مدلولها بين الاستناد إليها لنفي الحكم التكليفي وبينه لنفي الحكم الوضعيّ فكما أن نفي وجوب الجزء المشكوك وكذلك نفي وجوب الأكثر بالأخبار المذكورة لا يثبت الماهيّة كذلك نفي جزئية المشكوك وكليّة الأكثر المشتمل عليه بالأخبار المذكورة لا يثبتها إذ لا يعقل الفرق بين الأمرين بعد البناء على كون المجعول بالروايات المذكورة هو خصوص الآثار الشرعيّة المترتّبة على المنفيّ بها في مرحلة الظاهر وكأنه قدس سره زعم كون مفادها فيما إذا نسب إلى الحكم التكليفي هو النفي في مرحلة الظاهر وفيما إذا نسب إلى الحكم الوضعي هو النفي في مرحلة الواقع فيكون دليلا اجتهاديّا بهذه الملاحظة كما يفصح عنه قوله إن مقتضى هذه الروايات أن ماهيّة العبادات إلخ وأنت خبير بما فيه إذ كيف يعقل الفرق في مفاد رواية واحدة بين النسبتين وأما ما أفاده في المقام في كلامه الذي حكينا عنه أخيرا من المعارضة بين الجزئية وعدمها نظرا إلى كون كل منهما حكما شرعيّا بناء على القول بتعلّق الجعل بالأحكام الوضعيّة فيتعارض الأصلان بالنسبة إلى وجودها وعدمها للعلم الإجمالي بجعل أحدهما فهو مما لا محصّل له وإن هو إلا كالقول بأن الوجوب كما يكون حكما شرعيّا كذلك عدمه أيضا حكم شرعيّ فكل مورد شكّ فيه يجري الأصلان فيه بالنسبة إلى وجوده وعدمه ويتعارضان فتأمل والقول بأن تعيين الماهيّة في الأقل يحتاج إلى جنس وجوديّ وهو اعتبار الأجزاء المنسيّة وفصل عدميّ وهو عدم اعتبار غيرها والجنس موجود بالفرض والفصل مورد للأصل فلا يلزم هناك من تعيين الماهيّة بنفي الجزئيّة التعويل على الأصل المثبت وهذا بخلاف نفي الوجوب فإنه يلازم كون الماهيّة هي الأقلّ وليس عين مجرى الأصل ومن هنا يفرق بين الحكمين في مفاد الروايات فليس هنا اختلاف في أصل معناها فاسد مضافا إلى ما ستقف عليه عن قريب من ضعف هذا التوهّم بأنه اعترف بأن نفي الجزئيّة بأخبار الاستصحاب لا يجدي في تعيين الماهيّة إلا على القول بجواز التعويل على الأصل المثبت وإنما أراد الفرق بين الحكمين بالنظر إلى أخبار البراءة ( الرابع ) أن ما استشهد لتعميم روايات الباب أخيرا من فهم العلماء منها